فصل: الفصل التاسع في حالة العلماء

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: أبجد العلوم **


 الإعلام الثامن في آداب المتعلم، والمعلم

آداب المتعلم

أما المتعلم‏:‏ فآدابه ووظائفه كثيرة؛ ولكن ينظم تفاريقها عشر جمل‏:‏

الأولى‏:‏ تقديم طهارة النفس عن رذائل الخلاق ومذموم الأوصاف

إذ العلم عبادة القلب وصلاح السر وقربة الباطن إلى الله تعالى‏.‏

فلا تصح هذه العبادة إلا بعد طهارة القلب عن خبائت الأخلاق وأنجاس الأوصاف‏.‏

الثانية‏:‏ أن يقلل علائقه من الاشتغال بالدنيا، ويبعد عن الأهل والوطن

فإن العلائق شاغلة وصارفه، وما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه‏.‏

ومهما توزعت الفكرة قصرت عن درك الحقائق، ولذلك قيل‏:‏ العلم لا يعطيك بعضه حتى تعطيه كلك، فإذا أعطيته كلك فأنت من إعطائه إياك بعضه على خطر‏.‏

والفكرة المتوزعة على أمور متفرقة كجدول تفرق ماؤه فنشفت الأرض بعضه واختطف الهواء بعضه فلا يبقى منه ما يجتمع ويبلغ الزرع‏.‏

الثالثة‏:‏ أن لا يتكبر على العلم، ولا يتأمر على المعلم

بل يلقي إليه ‏(‏1/ 125‏)‏ زمام أمره بالكلية في كل تفصيل ويذعن لنصيحته إذعان المريض الجاهل للطبيب المشفق الحاذق، وينبغي أن يتواضع لمعلمه ويطلب الثواب والشرف بخدمته‏.‏

الرابعة‏:‏ أن يحترز الخائض في العلم في مبدأ الأمر عن الإصغاء إلى اختلاف الناس

سواء كان ما خاض فيه من علوم الدنيا أو من علوم الآخرة، فإن ذلك يدهش عقله ويحير ذهنه ويفتر رأيه ويؤيسه من الإدراك والاطلاع‏.‏

بل ينبغي أن يتقن أولاً الطريقة الحميدة الواحدة المرضية عند أستاذه ثم بعد ذلك يصغي إلى المذاهب والشبه وإن لم يكن أستاذه مستقلاً باختيار رأي واحد وإنما عادته نقل المذاهب وما قيل فيها، فليحترز منه فإن إضلاله أكثر من إرشاده، فلا يصلح الأعمى لقود العميان وإرشادهم، ومن هذا حاله بعد في عمى الحيرة وشبه الجهل‏.‏

الخامسة‏:‏ أن لا يدع طالب العلم فناً من العلوم المحمودة، ولا نوعاً من أنواعها

إلا وينظر فيه نظراً يطلع به على مقصده وغايته، ثم إن ساعده العمر طلب التبحر فيه وإلا اشتغل بالأهم منه واستوفاه وتطرف من البقية فإن العلوم متعاونة وبعضها مرتبط ببعض‏.‏

ويستفيد منه في الحال الانفكاك عن عداوة ذلك العلم بسبب‏.‏ جهله، فإن الناس أعداء ما جهلوا

قال تعالى‏:‏ ‏{‏وإذ لم يهتدوا به فسيقولون هذا إفك قديم‏}‏ فالعلوم على درجاتها إما سالكة بالعبد إلى الله تعالى أو معينة على السلوك نوعاً من الإعانة؛ ولها منازل مرتبة في القرب والبعد من المقصود، ‏(‏1/ 126‏)‏ والقوامون بها حفظة كحافظ الرباطات والثغور، ولكل واحد رتبة وله بحسب درجته أجر في الآخرة إذا قصد به وجه الله تعالى‏.‏

السادسة‏:‏ أن لا يأخذ في فن من فنون العلم دفعة

بل يراعي الترتيب ويبتدئ بالأهم‏.‏

فإن العمر إذا كان لا يتسع لجميع العلوم غالباً فالحزم أن يأخذ من كل شيء أحسنه ويكتفي منه بشمه، ويصرف جمام قوته في الميسور من علمه إلى استكمال العلم الذي هو أشرف العلوم وهو علم الآخرة، ولست أعني به الاعتقاد الذي يتلقنه العامي وراثة أو تلقفاً، ولا طريق تحرير الكلام والمجادلة فيه عن مراوغات الخصوم كما هو غاية المتكلم، بل ذلك نوع يقين هو ثمرة نور يقذفه الله تعالى في قلب عبد طهر بالمجاهدة باطنه عن الخبائث حتى ينتهي إلى رتبة إيمان الصديق رضي الله عنه الذي لو وزن بإيمان العالمين لرجح‏.‏

السابعة‏:‏ أن لا يخوض في فن حتى يستوفي الفن الذي قبله

فإن العلوم مرتبة ترتيباً ضرورياً وبعضها طرق إلى بعض، والموفق من راعى ذلك الترتيب والتدريج وليكن قصده في كل علم يتحراه الترقي إلى ما هو فوقه‏.‏

وبنبغي أن يعرف الشيء في نفسه فلا كل علم يستقل بالإحاطة به كل شخص، ولذلك قال علي رضي الله عنه‏:‏ ‏(‏‏(‏لا تعرف الحق بالرجال‏.‏ اعرف الحق تعرف أهله‏)‏‏)‏‏.‏ ‏(‏1/ 127‏)‏

الثامنة‏:‏ أن يعرف السبب الذي به يدرك شرف العلوم

وأن ذلك يراد به شيئان‏:‏

أحدهما‏:‏ شرف الثمرة

والثاني‏:‏ وثاقة الدليل، وقوته

وذلك‏:‏ كعلم الدين وعلم الطب‏.‏

التاسعة‏:‏ أن يكون قصد المتعلم في الحال تخلية باطنه وتحميله بالفضيلة

وفي الحال القرب من الله سبحانه والترقي إلى جوار الملأ العلى من الملائكة والمقربين‏.‏

ولا يقصد به الرياسة والمال والجاه ومجاراة السفهاء ومباهاة الأقران‏.‏ وإذا كان هذا مقصده -طلب لا محالة - الأقرب إلى مقصوده وهو علم الآخرة‏.‏

ومع هذا فلا ينبغي أن ينظر بعين الحقارة إلى سائر العلوم كالنحو واللغة المتعلقين بالكتاب والسنة وغير ذلك‏.‏

العاشرة‏:‏ أن يعلم نسبة العلوم إلى المقصد

كما يؤثر القريب الرفيع على البعيد الوضيع والمهم على غيره‏.‏

ومعنى المهم ما يهمك، ولا يهمك إلا شأنك في الدنيا والآخرة وإذا لم يمكنك الجمع بين ملاذ الدنيا ونعيم الآخرة كما نطق به القرآن وشهد له نور البصائر ما يجري مجرى العيان فالأهم ما يبقى أبد الآباد، وعند ذلك تصير الدنيا منزلاً والبدن مركباً والأعمال سعياً إلى المقصد ولا مقصد إلا لقاء الله تعالى، ففيه النعيم كله وإن كان لا يعرف في هذا العالم قدره إلا الأقلون‏.‏

وأما‏:‏ وظائف المعلم المرشد

فالأولى‏:‏ الشفقة على المتعلمين، وأن يجريهم مجرى بنيه

ولذلك صار حق المعلم أعظم من حق الوالدين‏.‏ ولولا المعلم لانساق ما حصل من جهة الأب إلى الهلاك الدائم، وإنما المعلم هو المفيد للحياة الأخروية الدائمة، كما أن الوالد سبب الوجود الحاضر الفاني‏.‏

والمراد معلم علوم ‏(‏1/ 128‏)‏ الآخرة أو علوم الدنيا على قصد الآخرة لا على قصد الدنيا‏.‏ فأما التعليم على قصد الدنيا فهو هلاك وإهلاكه نعوذ بالله منه‏.‏

الثانية‏:‏ أن يقتدي بصاحب الشرع

فلا يطلب على إفادة العلم أجراً ولا يقصد به جزاء ولا شكراً، بل يعلم لوجه الله تعالى وطلبا للتقرب إليه، ولا يرى لنفسه منة عليهم وإن كانت المنة لازمة لهم، بل يرى الفضل لهم وثوابه في التعليم أكثر من ثواب المتعلم عند الله تعالى، ولولا التعلم ما ثبت هذا الثواب فلا يطلب الأجر إلا من الله تعالى‏.‏

الثالثة‏:‏ أن لا يدع من نصح المتعلم شيئاً

وذلك بأن يمنعه من التصدي لرتبة قبل استحقاقها، والتشاغل بعلم خفي قبل الفراغ من الجلي‏.‏

ثم ينبهه على أن يطلب العلوم للقرب إلى الله دون الرئاسة والمباهاة والمنافسة، ويقدم تقبيح ذلك في نفسه بأقصى ما يمكن فليس ما يصلحه العالم الفاجر بأكثر مما يفسده‏.‏ فإن علم من باطنه أنه لا يطلب العلم إلا للدنيا نظر إلى العلم الذي يطلبه فإن كان هو علم الخلاف في الفقه والجدل في الكلام والفتاوى في الخصومات والأحكام فيمنعه من ذلك‏.‏

فإن هذه العلوم ليست من علوم الآخرة ولا من العلوم التي قيل فيها‏:‏ تعلمنا العلم لغير الله فأبى العلم إلا أن يكون الله، وإنما ذلك علم التفسير وعلم الحديث وما كان الأولون يشتغلون به من علم الآخرة ومعرفة أخلاق النفس وكيفية تهذيبها، فإذا تعلم الطالب وقصده الدنيا فلا بأس أن يتركه‏.‏

الرابعة‏:‏ وهي من دقائق صناعة التعليم، أن يزجر المتعلم عن سوء الأخلاق

بطريق التعريض ما أمكن ولا يصرح، وبطريق الرحمة ‏(‏1/ 129‏)‏ لا بطريق التوبيخ، فإن التصريح بهتك حجاب الهيبة ويورث الجرأة على الهجوم بالخلاف ويهيج الحرص على الإصرار‏.‏

الخامسة‏:‏ أن المتكفل ببعض العلوم ينبغي ألا يقبح في نفس المتعلم العلوم التي وراءه

كمعلم اللغة، إذ عادته تقبيح علم الفقه ومعلم الفقه عادته تقبيح علم الحديث والتفسير، ذلك نقل محض وسماع بحت وهو شأن العجائز ولا نظر للعقل فيه ومعلم الكلام ينفر عن الفقه ويقول‏:‏ ذلك فروع وهو كلام في حيض النسوان فأين ذلك من الكلام في صفة الرحمن‏.‏

فهذه أخلاق مذمومة للمعلمين ينبغي أن تجتنب، بل المتكفل بعلم واحد ينبغي أن يوسع على المتعلم طريق التعليم في غيره، وإن كان متكفلاً بعلوم فينبغي أن يراعي التدريج في ترقية المتعلم من رتبة إلى رتبة‏.‏

السادسة‏:‏ أن يقتصر بالمتعلم على قدر فهمه

ولا يلقي إليه مالا يبلغه عقله فينفره أو يخبط عليه عقله كما قيل‏:‏ كلموا الناس على قدر عقولهم‏.‏

وأشار علي عليه السلام إلى صدره ‏(‏‏(‏إن ههنا لعلوماً جمة لو وجدت لها حملة‏)‏‏)‏‏.‏

السابعة‏:‏ أن المتعلم القاصر ينبغي أن يلقي إليه الجلي اللائق به

ولا يذكر له أن وراء هذا تدقيقاً وهو يدخره عنه، فإن ذلك يفتر رغبته في الجلي، ويشوش عليه قلبه، ويوهم إليه البخل به عنه، إذ يظن كل أحد أنه أهل لكل علم دقيق، فما من أحد إلا وهو راض عن الله سبحانه في كمال عقله، وأشدهم حماقة وأضعفهم عقلاً هو أفرحهم بكمال عقله‏.‏

الثامنة‏:‏ أن يكون المعلم عاملاً بعلمه

فلا يكذب قوله فعله فإن العلم يدرك بالبصائر، والعمل يدرك بالأبصار وأرباب الأبصار أكثر، فإذا ‏(‏1/ 130‏)‏ خالف العمل العلم منع الرشد‏.‏

وكل من تناول شيئاً وقال للناس‏:‏ لا تتناولوه فإنه سم مهلك سخر الناس به واتهموه وزاد حرصهم عليه فيقولون‏:‏ لولا أنه أطيب الأشياء وألذها لما كان يستأثر به‏.‏

هذا خلاصة ما في ‏(‏الإحياء‏)‏ وقد أطال في تقرير كل أدب ووظيفة من هذه الآداب والوظائف إطالة حسنة‏.‏ وعقد الباب السادس من كتاب ‏(‏العلم‏)‏ في آفات العلم وبيان علامات علماء الآخرة والعلماء السوء‏.‏ والله تعالى أعلم بالصواب‏.‏

وللشيخ العالم برهان الإسلام الزرنوجي تلميذ صاحب ‏(‏الهداية‏)‏ كتاب سماه ‏(‏تعليم المتعلم طريق التعلم‏)‏ وجعله فصولاً قال فيه‏:‏ ‏(‏‏(‏إنه لا يفترض على كل مسلم طلب كل علم، وإنما يفترض عليه طلب علم الحال، أي علم ما يقع له في حاله من الصلاة والزكاة والصوم والحج‏.‏ ولا بد له من النية في زمان تعلم العلم لقوله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏‏(‏إنما الأعمال بالنيات‏)‏‏)‏ وينوي بطلب العلم رضاء الله تعالى والدار الآخرة، وإزالة الجهل عن نفسه وعن سائر الجهال، وإحياء الدين وإبقاء الإسلام، فإن بقاء الإسلام بالعلم‏.‏

ولا يصح الزهد والتقوى مع الجهل‏.‏ ولا ينوي به إقبال الناس إليه، ولا استجلاب حطام الدنيا والكرامة عند السلطان وغيره‏.‏ ولا يذل نفسه بالطمع، ويتحرز عما فيه مذلة العلم وأهله‏.‏ ويختار من كل علم أحسنه ويقدم علم التوحيد والمعرفة، وإن كان إيمان المقلد صحيحاً، ويختار العتيق دون المحدثات، ولا يشتغل بهذا الجدل الذي ظهر بعد ‏(‏1/ 131‏)‏ انقراض الأكابر من العلماء‏.‏ وأما اختيار الأستاذ فيختار الأعلم والأورع والأسن‏.‏

والمشاورة في طلب العلم أهم وأوجب‏.‏ وينبغي أن يثبت ويصبر على أستاذ وعلى كتاب حتى لا يتركه أبتر، وعلى فن حتى لا يشتغل بفن آخر قبل أن يتقن الأول، وعلى بلد حتى لا ينتقل إلى بلد آخر من غير ضرورة، ولا ينال ولا ينتفع به إلا بتعظيم العلم وأهله وتعظيم الأستاذ وتوقيره‏.‏

ولا بد لطالب العلم من الجد والمواظبة والملازمة، وإليه الإشارة في القرآن الكريم ‏{‏والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا‏}‏ و‏{‏يا يحيى خذ الكتاب بقوة‏}‏ قيل‏:‏ اتخذ الليل جملاً تدرك به أملا‏.‏

ويواظب على الدرس والتكرار في أول الليل وآخره، فإن ما بين العشاءين ووقت السحر وقت مبارك، والكسل من قلة التأمل في مناقب العلم وفضائله‏.‏

والعلم النافع يحصل به حسن الذكر ويبقى ذلك بعد وفاته فإنه حياة أبدية‏.‏ ويوقف بداية السبق على يوم الأربعاء، وهكذا كان فعل أبو حنيفة - رحمه الله -بل كان الشيخ أبو يوسف الهمداني يوقف كل عمل من أعمال الخير على يوم الأربعاء، وهذا لأنه يوم خلق فيه النور وهو يوم نحس في حق الكفار فيكون مباركاً للمؤمنين‏.‏ وينبغي أن يكون قدر السبق للمبتدئ قدر ما يمكن ضبطه بالإعادة مرتين بالرفق، ويزيد كل يوم كلمة وقد قيل‏:‏ السبق حرف والتكرار ألف‏.‏

قال الأستاذ شرف الدين العقيلي‏:‏ الصواب عندي في هذا ما فعله مشائخنا، وإنهم كانوا يختارون للمبتدئ صغارات المبسوط لأنه أقرب إلى الفهم والضبط وأبعد عن الملالة وأكثر وقوعاً بين الناس، قيل‏:‏ حفظ حرفين خير من سماع وقرين، وفهم حرفين خير من حفظ وقرين‏.‏ فينبغي أن لا يتهاون في الفهم‏.‏ ‏(‏1/ 132‏)‏

ولا بد من المذاكرة والمناظرة والمطارحة، لكن بالإنصاف والتأني والتأمل دون الشغب والغضب، وهي أقوى من فائدة مجرد التكرار‏.‏ قيل‏:‏ مطارحة ساعة خير من تكرار شهر‏.‏

ويشتري بالمال الكتب، ويستكتب فيكون عوناً على التعلم والتفقه، وينبغي أن لا يكون لطالب العلم فترة فإنها آفة‏.‏

ويتوكل في طلب العلم ولا يهتم لأمر الرزق، ولا يشغل قلبه بذلك‏.‏

ووقت التعلم من المهد إلى اللحد، دخل حسن بن زياد في التفقه وهو ابن ثمانين سنة‏.‏

وأفضل الأوقات شرخ الشباب ووقت السحر وما بين العشاءين‏.‏ وينبغي أن يستغرق جميع أوقاته، فإذا مل من علم يشتغل بعلم آخر‏.‏ كان ابن عباس إذا مل من علم الكلام قال‏:‏ ‏(‏‏(‏هاتوا ديوان الشعر‏)‏‏)‏ ويكون مستفيداً في كل وقت حتى يحصل له الفضل‏.‏

وطريق الاستفادة أن يكون معه في كل وقت محبرة حتى يكتب ما يسمع من الفوائد، قيل‏:‏ ما حفظ فر وما كتب قر‏.‏

وأقوى أسباب الحفظ الجد والمواظبة وتقليل الغذاء، وصلاة الليل، وقراءة القرآن، نظراً، والسواك، وشرب العسل وأكل الكندر مع السكر، وأكل ما يقلل البلغم والرطوبات يزيد في الحفظ، وكل ما يزيد في البلغم يورث النسيان، ومن أسبابه اقتراف المعاصي وكثرة الذنوب والهموم والأحزان في أمور الدنيا وكثرة الأشغال والعلائق‏.‏

وأما أسباب نسيان العلم‏:‏ فأكل الكسبرة الرطبة، وأكل التفاح الحامض، والنظر إلى ‏(‏1/ 133‏)‏ المصلوب، وقراءة ألواح القبور، والمرور بين قطار الجمال، وإلقاء القمل على الأرض، والحجامة على نقرة القفا، كلها تورث النسيان‏.‏

وارتكاب الذنب سبب حرمان الرزق خصوصاً الكذب يورث الفقر، وكذا نوم الصبح، وكثرة النوم تورث فقد العلم إلى غير ذلك‏.‏

ومما يزيد في الرزق التسبيح بعد الفجر وبعد المغرب‏.‏ ومما يزيد في العمر البر وترك الأذى، وتوقير الشيوخ، وصلة الرحم، والاحتراز عن قطع الأشجار الرطبة إلا عند الضرورة، وإسباغ الوضوء، والصلاة بالتعظيم والخشوع، والقرآن بين الحج والعمرة، وحفظ الصحة‏.‏

ولا بد أن يتعلم شيئاً من الطب، ويتبرك بالآثار الواردة في الطب الذي جمعه الشيخ الإمام أبو العباس المستغفري في كتابه المسمى بـ ‏(‏طب النبي‏)‏ صلى الله عليه وسلم يجده من يطلبه‏.‏

هذا خلاصة ما ذكره الزرنوجي - رحمه الله -‏.‏

وكتاب‏:‏ ‏(‏جواهر العقدين في فضل الشرفين‏:‏ شرف العلم الجلي والنسب العلي‏)‏ للشيخ، الإمام، العلامة‏:‏ علي ابن الشيخ‏:‏ جمال الدين السمهودي، الشافعي - رحمه الله - قد اشتمل على جملة كافية من بيان شرف العلم، وآداب العالم والمتعلم، وطريق الدرس، واقتناء الكتب، وغيرها، اشتمالاً نافعاً؛ فمن شاء الزيادة فعليه به، وبالله التوفيق‏.‏

 الفصل التاسع في حالة العلماء

اعلم أن العلم له حقائق لغوية‏:‏ وهو ضد الجهل‏.‏

واصطلاحية‏:‏ وهي كما قيل‏:‏ من جمع بين علم المعقول والمنقول‏.‏

وكما قيل‏:‏ من تمكن من إثبات المسائل بأدلتها عن علم وثبت‏.‏

وعرفية‏:‏ وهي كل من اشتغل بتحصيل العلم، ولو كان على جهة التقليد، أو الشروع في التحصيل‏.‏

فيطلق العالم على من تعلم النحو والصرف، أو الفقه أو جميعها‏.‏

وليس مرادي إلا من تمكن من إثبات المسائل بأدلتها عن علم وثبت‏.‏فيشمل من عرف جميع الآلات، وعرف الكتاب والسنة، فإنه يتمكن من إثباتها على ذلك الوجه‏.‏

وعلوم العقل لا دخل لها في الشريعة، وإن العالم بها لا يدخل في مفهوم ‏(‏‏(‏العلماء ورثة الأنبياء‏)‏‏)‏ والله تعالى قد أغنانا عن الكتب السابقة، التي أنزلت على الأنبياء عليهم السلام، بما أنزله إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وجمع فيه كل خير، واحتوى على كل فضيلة لفظاً ومعنىً وعلماً وحكمة وغير ذلك، فكيف نرجع إلى كتب الحكماء لا نعلم أذلك عنهم، من ذات أنفسهم، أو عن وحي إلى رسول منهم‏؟‏ وأول ما خرج ذلك في دولة بني العباس، وأكثر من أخرجه ‏(‏1/ 135‏)‏ المأمون ووقع الاشتغال به، والمحن والفتن، وهلك به جماعة أوقعهم في الكفر والزندقة، واشتغل به المأمون، حتى إنه أرسل إلى ملك الإفرنج، وذكر له أن مراده في الكتب التي لديهم، وعربوها له، ونبش لحد كسرى من أجل أنه قيل له‏:‏ إن في قبره تابوتاً فيه من كتب القدماء‏.‏

على أنه لو كان لا بد منه في العلم، لكان الصحابة كلهم ليسوا بعلماء، لأنهم لم يعرفوا علوم المعقول، وكذا من بعدهم من التابعين ومن تبعهم ولا قائل به في العالم، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏‏(‏نحن أمة أمية لا نكتب ولا نحسب‏)‏‏)‏‏.‏

وأما العرف فغير معمول به، لأنه إذا اشتغل بفن وعرفه سمي في العرف عالما وليس هو من العلم في شيء، لأنه لا ينتفع به في الدين أصلاً، ولا يقدر أن يعمل بفرع من فروع الشريعة بنفس ذلك الفن، كالنحو وغيره‏.‏

وإنما تلك الفنون آلة للكتاب والسنة، فمن اشتغل بها ولم يتوصل بها إلى تلك الأمور فهو كمن أحكم السلم ولم يرتق عليه إلى محل مرتفع، ولا فائدة له فيه‏.‏

وكذا المقلد فإنه لا يعلم ما الحق في المسألة، ولا مع من هو ولا قاله من قلده أصواب هو أم خطأ‏.‏

وهذا لا يصح إطلاق العالم عليه حتى قال النووي‏:‏ ‏(‏‏(‏إنه إجماع‏)‏‏)‏ وقالوا في أصول الفقه‏:‏ إنه لا عبرة بالمقلد في إجماع العلماء، لأنه ليس بعالم، لأنهم حدوه‏:‏ من يقبل قول من أفتاه من دون أن يطالبه بحجة‏.‏

وقد أوضح هذا بما لا مزيد عليه، الشيخ الفاضل علي بن محمد ولد شيخنا الشوكاني - رحمه الله - ‏(‏1/ 136‏)‏ في ‏(‏‏(‏القول السديد في نصح المقلد وإرشاد المستفيد‏)‏‏)‏‏.‏

وأما المشتغل فيما يثبت له ذلك إلا إذا ثبت له الملكة في الآلات، وأمكنه معرفة الكتاب والسنة كما ينبغي، لأنه عند شروعه يريد تحصيل ما به الوصول إلى معرفة العلم الذي يطلق على من قام به اسم العالم، فإذا أطلق عليه عند الشروع فإنما هو مجاز بعلاقة الأول والقرينة الواقعة‏.‏

فإذا عرفت هذا علمت أن العلم من أشرف المطالب، لا يساويه مساوٍ ولا تبلغ غايته غاية، ولا فضيلة سواه‏.‏

ولقد صدق القائل‏:‏ من فاته العلم ماذا أدرك، ومن أدرك العلم ماذا فاته‏.‏

قال الشافعي‏:‏ إذا لم يكن العالم العامل ولياً فما لله ولي‏.‏ والصحيح أن العالم له رتبة كبيرة وهي كونه وارث الأنبياء عليهم السلام، وكونه ممن قال صلى الله عليه وسلم فيه‏:‏ ‏(‏‏(‏لأن يهدي الله رجلاً على يديك خير مما طلعت عليه الشمس‏)‏‏)‏‏.‏

وكونه ممن يصدق عليه قوله تعالى‏:‏ ‏{‏إنما يخشى الله من عباده العلماء‏}‏‏.‏ وقوله‏:‏ ‏{‏قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون‏}‏‏.‏ وقوله‏:‏ ‏{‏وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس‏}‏‏.‏

ثم إن العلم له فوائد منها‏:‏ أنه يؤجر على تعلمه وتعليمه والإفتاء به والقضاء بما دل عليه، والتصنيف، وإهداء الناس، ويكون مما يتبع بعد الموت، كما قال صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏‏(‏أو علم ينتفع به‏)‏‏)‏، وكما قال‏:‏ ‏(‏‏(‏العلماء على منابر من نور يوم القيامة‏)‏‏)‏، وكما قال‏:‏ ‏(‏‏(‏إن أنبياء بني إسرائيل يتمنى أحدهم أن يكون كعلماء هذه الأمة‏)‏‏)‏، وكما قال‏:‏ ‏(‏‏(‏من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين‏)‏‏)‏ ‏(‏1/ 137‏)‏‏.‏

والفقه فهم الكتاب والسنة، وكما قال‏:‏ ‏(‏‏(‏خياركم في الجاهلية خياركم في الإسلام إذا فقهوا‏)‏‏)‏‏.‏

فأثبت لهم الخيرية المطلقة‏.‏

وهذه بعض الأدلة فيهم، والفضائل المسرودة في الكتب هي الكثير الطيب، لولا خوف الإطالة لاحتاجت إلى مجلد‏.‏

وقد جمع فيما ورد فيهم وفضائلهم بعض علماء مكة المكرمة مجلداً وسماه ‏(‏العلم‏)‏ فثبت أن العلماء لهم المحل الأسنى؛ وآدم عليه السلام لما ألهمه الله تعالى الأسماء وجعل له تلك الحالة، رفعه على الملائكة وله حالة الرياسة على الملائكة حالة إنبائهم، كالحالة التي تثبت للشيخ على التلميذ‏.‏

فلما صارت له تلك الفضيلة، وبلغ تلك المنزلة عظم على الملائكة وأمرهم الله سبحانه بالسجود له، لأنه قد صار له حق المشيخة، وإن كانت ماهية الملائكة أشرف، وصفاتهم أعلى وأفضل من صفات الآدمي، إلا أن هذه حالة خاصة، ولا مانع من أن يأمر الله سبحانه بعض خلقه بالسجود لبعض‏.‏

ولا فائدة للتمحلات لأن المنهي عنه وهو السجود لغير الله سبحانه، إنما هو في شريعته صلى الله عليه وسلم، لوقوعه في شرع من قبله، كسجود يعقوب وزوجته ليوسف عليهم السلام حين دخلا عليه كما حكاه الله سبحانه‏.‏

ولو سلمنا أنه منهي عنه في كل شريعة فهذا خاص، لكون الآمر به هو الله سبحانه وتعالى، وهو الباعث للرسل والموجب للشرائع، وقد حكاه عن نفسه ولا فائدة فيما قيل‏:‏ إنه إنما جعل آدم قبلة لهم لأنه ينافيه قوله ‏{‏اسجدوا لآدم‏}‏ ولو كان كذلك لقيل لهم‏:‏ اسجدوا إلى آدم‏.‏

وكذا إنما أمروا بالسجود لله ولكن نسب إلى آدم ‏(‏1/ 138‏)‏، وهذا ينافيه اللفظ أيضاً

وبالجملة فكأن السجدة له عليه السلام تعظيماً لعلمه‏.‏

وقد اختلف في كيفية التعليم فقيل‏:‏ بالاستعداد والإلقاء من الله تعالى إليه‏.‏

وقيل‏:‏ بالإلهام، ويدل عليه قوله تعالى في داود ‏{‏وعلمناه صنعة لبوس لكم‏}‏ فإنه ألهمها إلهاماً لا تعليماً حقيقة‏.‏

والذي يظهر لي أنه أطلعه الله سبحانه على اللوح المحفوظ، لأن فيه كل ما كان وما سيكون، فجميع الأسماء والأشياء فيه وصفاتها وأحوالها، فطبق تلك الكيفية التي رآها في اللوح على المسميات‏.‏

وقد قال تعالى‏:‏ ‏{‏فلا يظهر على غيبه أحداً إلا من ارتضى من رسول‏}‏‏.‏

أو أنه خلق له قدرة يقتدر بها على التعبير عن تلك الأمور عند الأمر له بإنباء الملائكة، ويكون معنى ‏(‏علم‏)‏ أقدر‏.‏

وهذا مما يدل أكمل دلالة على أن علم الله تعالى لا نسبة بينه وبين علم مخلوقاته، وعلى أن علم المخلوق ولو بلغ الغاية القصوى والنهاية العليا لا يدرك كنه الأمور ولا ينكشف له المصالح كلية الانكشاف‏.‏

وبهذا تعرف قدر الشيخ، وأنه لما صارت له تلك الفضيلة وهي العلم كان الجزاء فيه السجود، وإن كان التلميذ شريفاً في، النسب فإن شرف التعليم له زائد على شرفه، كما كان ابن عباس يمسك بركاب شيخه، وكان ينام في بابه ينتظر لخروجه حتى يُطير عن ثوبه التراب الذي تلقيه الرياح‏.‏

وكذلك أمسك الإمام أحمد ركاب الشافعي‏.‏

فيجب على التلميذ أن يجل الشيخ ويعظمه لما أسدى إليه، ولا يكفر نعمته فيهلك كإبليس لما أذنب هلك، وأقل أحوال هلاك التلميذ ذهاب رونق علمه وعدم قبول فائدته مع تغير أحوال الدنيا عليه، وكم شاهدنا ‏(‏1/ 139‏)‏‏.‏

وكفى بهذا دليلاً فإن الملائكة عليهم السلام لما عرفوا الأسماء، ثبت لآدم عليه السلام ذلك الحق عليهم، بعد أن كان عندهم لا يصلح للخلافة فصار صالحاً للإفادة، وأبى اللعين، فكان سبب هلاكه وهلاك ذريه ومن تبعه، لأنه أصر على ما ظهر له أنه الصواب‏.‏

وإبليس وإن كانت ماهيته غير ماهية الملائكة، وهو من الجن لكنه أطلق عليه ذلك الاسم ودخل في مسماهم، وعوقب على عدم الامتثال لكونه قد صارت له أحوال الملائكة وقرب كقربهم، وأودع فيه من النور ما شابه به الملائكة‏.‏

فلما أصر واستكبر وعاد إلى الماهية الأصلية، نال ما نال وعوقب بما عوقب‏.‏

وهذا أحسن ما تفسر به الآية الكريمة‏.‏

وإن كان قد قيل في تفسيرها أمور أخر، كلها صرف اللفظ عن ظاهره بغير قرينة ولا مرجح، وما جعلوه مانعاً من أن الملائكة لم يقع منهم الاستنكار، وإنما هو على جهة العرض يأباه قطعهم بان آدم وذريته سيفسدون ويسفكون الدماء‏.‏

فهذا مما يبين أن كل مخلوق لا بد له من الخطأ، فإن الملائكة قد قص الله علينا أمرهم هذا، والأنبياء كذلك‏.‏

وكل ذلك إنما وقع منهم في الاجتهادات لا في الأوامر والتشريعات، فلما وقع ذلك منهم وقد ثبتت لهم العصمة نبهوا على الخطأ، فقد وقع ذلك لسيد ولد آدم، وخير الخلق، وأقربهم إلى الله، صلى الله عليه وسلم ونبه، وكذا الملائكة‏.‏

وكفى بهذا رادعاً وزاجراً للعلماء عن إثبات الشريعة بالرأي والقياسات الواهية، غير ما كانت علته منصوصة، أو منبهاً عليها‏.‏

وأما فحوى الكتاب وقياس الأول فهو داخل في مفهوم اللفظ ليس من باب القياس، وإنما القياس الممنوع الذي يكون باعتبار الأقيسة الأخرى التي توسعوا فيها، مثل السبر، والتقسيم، والإحالة، وغير ذلك ‏(‏1/ 140‏)‏‏.‏

وإذا اعتقد أنه شرع وأوجب على غيره اتباعه أو أفتى به أو قضى عليه فقد تقول على الله سبحانه بما لم يقله‏.‏

فليكن هذا على ذكر منك فإنه من أعظم الأمور التي يكون بها الهلاك، فما أحق العالم أنه إذا لم يجد علة منصوصاً عليها، ولا منبهاً عليها، أن يترك التشريع، وهذا المقيس بالرأي إنما عسر الشريعة والنبي صلى الله عليه وسلم، يسرها‏.‏

وهذه نصيحة مني لمن يريد الله به خيراً، ليس الموجب لها إلا حب إخواني من علماء المسلمين المتبعين‏.‏

وأما المقلد أو مجتهد المذهب فليس من مبحوثنا ولا دخل في نصيحتنا، لأنه ممنوع عن التكلم محجور عن التعرض حتى يصدق عليه اسم العالم لما عرفت‏.‏

ومن أراد تحقيق ذلك فعليه بكتب شيخنا الشوكاني، وكتب أئمة السنة ابن تيمية، وابن القيم، وابن الوزير والسيد الأمير، ومن حذا حذوهم، وبتكميل الحجة والبيان، وشرح بيتي إمام الزمان ففيها ما يغني ويقني‏.‏

وإنما جرى القلم بهذا في هذه وإن كان المبحوث عنه سواه لأن له دخلاً فيها‏.‏

ولما نظرت هذه الفضيلة التي ثبتت لآدم باعتبار العلم، عدلت إلى أن هؤلاء العلماء الذين عرفت أنهم المقصودون هنا، وزع الله بينهم الفضائل وجعلهم أنواعاً‏.‏

النوع الأول‏:‏ علماء الصحابة الحافظين للشريعة، المبلغين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، المعلمين لمن دخل في الدين، القائمين بنشرها المجاهدين لمن خالفها‏.‏

النوع الثاني‏:‏ التابعون لتلك الفضائل، القافون أثر الأوائل‏.‏ ‏(‏1/ 141‏)‏

الراحلون لتنفيذها إلى البلاد، المبلغون إلى من بعدهم من العباد، وهم دون النوع الأول من الرتبة‏.‏

النوع الثالث‏:‏ تابعو التابعين، وهم على نهجهم في تلك العناية ومتبعون لهم في الفضائل والشرف، حتى كانوا خلفهم في القيام بذلك المنصب وفعلوا كفعلهم في إحراز ذلك المطلب‏.‏

ثم من بعده كثرت الروايات وانتشرت في جميع الأقطار بفتح البلاد، وفشا الكذب، وعم التقليد الذي منع منه الأئمة المجتهدون، وحذر منه السلف الصالحون‏.‏

النوع الرابع‏:‏ العلماء البالغون إلى رتبة الاجتهاد المطلق، وهم كثيرون غير الأربعة المشهورين كما صرح بذلك أهل السير والطبقات في كتبهم، وكانوا لا يقلدون أحدا ولا ينسبون أنفسهم إلى أحد، ولم يكونوا متمذهبين كما يزعم من لا علم له بأحوال العلماء‏.‏

النوع الخامس‏:‏ وهو من اشتغل بطلب جمع الأحاديث، حتى حفظ منها مالا يقدره طباعنا ولا يتصوره حواسنا‏.‏

فمنهم من حفظ ألف ألف أي عشرة لكوك في العرف‏.‏

ومنهم من حفظ عشرة آلاف ألف بمعنى مائة لك‏.‏

ومنهم من حفظ أحمال جمال من المائة فما دون وما فوق، ورحل في طلب ذلك إلى مشرق الأرض ومغربها جنوباً وشمالاً‏.‏

وذلك بسبب أن الله تبارك وتعالى خلق ‏(‏1/ 142‏)‏ للسنة المطهرة خلقاً، مثل هؤلاء فسعوا في طلبها وبذلوا نفوسهم وملاذهم في تحصيلها، وداروا الأقطار ووصلوا الليل والنهار، وأحرزوها وبثوها في الناس، وقضوا ما كان عليهم وبقي ما كان لهم فجزاهم الله عن الإسلام جزاء خير على التمام‏.‏

والسنة صنو القرآن الكريم وإنما فارقها لكونه للتحدي، وهي مشاركة له في التشريع، وقد تدارك الله بحفظ الكتاب، ويلزم منه حفظ السنة لكونها وضعت بأنها وحي‏.‏

ثم بعدهم‏.‏

النوع السادس‏:‏ وهو أنه لما كثرت الزيادة فيها، وفشا الكذب، وظهر أهل الوضع والكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهم كل حين وكل وقت في زيادة، واحتالوا بإدخال الأحاديث الموضوعة والمكذوبة في أسانيد الأثبات الثقات أوجد الله لها هذا النوع فزبروها، وعرفوا صحيحها من سقيمها، وبينوا موضوعها ومكذوبها وغير ذلك، وفحصوا وداروا الأقطار وسألوا الكبار، وأخرجوا ما دسه الأشرار وأوضحوا ذلك أوضح منار، وعرفوا كل واحد من رواتها باسمه ولقبه وبلده وكنيته وحرفته ومشائخه والآخذين عنه ومجالسه، ومن حضر ومن ذهل في حال الإملاء عليهم في ذلك المجلس وما قدر ذهوله، وبينوا أسباب القدح من وضع، وكذب، وتدليس، وإبهام، وسوء حفظ ولين، ومختلط في عقله، وصدوق، وشيخ، وغير ذلك‏.‏

ولهم في ذلك اصطلاحات، يعرفها من عرف علم السنة فإنه لا بد من معرفتها ثم دونوا للرجال كتباً ذكروا فيها أحوالهم وما سبب القدح فيهم، وما يقبلون فيه وما لم ‏(‏1/ 143‏)‏ يقبلوا فيه إذا كان له حالات، وما يعرض لهم وعمن رووا ومن روى عنهم‏.‏

ثم دونوا كتباً في المكذوبات، والموضوعات، والضعاف، والحسان، والصحاح‏.‏

ومنهم من جمع الجميع‏.‏

ولما كان لا يؤمن بعد أعصارهم أن لا تكون تلك الكتب ولا الأقوال أقوالهم أوجد الله تعالى من بعدهم في كل عصر علماء وهم‏.‏

النوع السابع فشرحوا كتبهم، وأوضحوا مرادهم، وبينوا للناس مقاصدهم، وعرفوا الناس بصحة نسبة ذلك إليهم، وأنه كتاب فلان بإحراز أسانيده وكل خلف عن سلف معروف معلوم مشهور إلى عند المصنف، وأبدوا صناعات تطرب الألباب، واخترعوا أساليب معونة للطلاب، فمنها ما فعلوه على أبواب الفقه ورووا فيه كل ما يصلح للاحتجاج من تلك المجموعات، وتكلموا على سنده وقربوه لطلبته كلية التقريب وأزالوا عنه النصب، ومنحوه أوفر نصيب وما أنتجته أفكارهم السليمة وأفهامهم المستقيمة، من الفوائد العجيبة، والنكت الغريبة، والأساليب البديعة، ولم يتهوروا في الرأي، ولا تبعوا ما لم يكن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإن نقلوا ما قاله أهل المذاهب من المسائل التي لم تكن موافقة للدليل، ودونوا ما حكوه عنهم من تلك العجائب، فلا يخل إما أن يكون لقصد البيان وإظهار أن خلاف كلامه هو الصواب، فهذا هو الميثاق الذي أخذه الله على أهل الكتاب، ومنهم من يكون من باب قوله‏:‏

عرفت الشر لا للشر لكن لتوقيه ** ومن لا يعرف الشر يقع فيه ‏(‏1/ 144‏)‏

ومنهم من يذكر ما قالوه بقصد أنهم إذا عرفوا أنه يعرف ما عندهم وقد ذكر الدليل أو رجح فلا يظنوا أنه فعل ذلك، وهو جاهل لما عندهم، وهذا مأجور وأن كان قصده إنما هو ليعرفوا أنه عالم فقط، فهذا معجب بنفسه‏.‏ ومنهم من يظهر بذلك لأهل مذهبه أنه لم يخالفهم، وأنه باق على وفق قول إمامهم، وهذا الفعل يخالف أخذ الميثاق، وأمر العلماء بالبيان، وخشية الله منهم وكونهم ورثة الأنبياء‏.‏

ولهذا البحث مزيد فائدة في ‏(‏القول السديد‏)‏ وقد جرت عادة الله سبحانه، أن فاعل ذلك لا بد أن يبقى مضطهدا خائفا محروم العلم، لا ينفعه ذلك في الدنيا وفي الآخرة شيئا، وأن فاعل الحق ومتبعه والمتظهر بنصره والقيام لخدمته والبيان لما خالفه، والرد على قائله، في أعلى رتب الشرف، وأرفع درجات الكمال، مجلل مبجل مهاب، وكان الفرد المنظور إليه بعين العلم وإن كلامه هو الحق والصواب، متبع في الناس معمول بما قاله، وإن خولف في مدة حياته، كبعض العلماء الكبار‏.‏ فتنظر بعد موته وإذا كلامه عند المخالف والموالف مقبول، ويستدل به كل أحد‏.‏ وتنظر وإذا كل مؤرخ إذا ذكره جعل ترجمته أكبر التراجم، ويذكر من فضله ونبله ما يخلع قلوب مخالفيه، ولا يقدر أحد على جحد فضائله، ولا كتم مناقبه، بل يشهد له بها المخالف كابن حزم، وابن تيمية وغيرهما في كل عصر‏.‏

ثم إن لهم فضائل غير هذه منها‏:‏ الصدع بالحق ونصره، ودفع الباطل وإظهار ما وجب‏.‏ ولذا ترى كثيرا من الصحابة ‏(‏1/ 145‏)‏ يقولون‏:‏ لولا أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ ‏(‏‏(‏من كتم علما‏)‏‏)‏ الحديث‏.‏ وسمعت قول الله تعالى‏:‏ ‏{‏ومن يكتمها فإنه آثم قلبه‏}‏ ما حدثتك‏.‏

فكم للعلماء مواقف عند أمراء الجور وسلاطين الظلم، يسطع فيها بالحق ويتكلم بما يوافق الشرع، ولا تأخذه في دين الله لومة لائم ولا يردعه عن إظهار الحق رادع، ولذا تنظر ما كان لهم من الأجر الجزيل، والجزاء الجليل، في قوله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏‏(‏وأفضل من ذلك كله كلمة حق عند سلطان جائر‏)‏‏)‏ فتنظر، وإذا القائل بالحق كلامه المصدق وقدره المبجل، وشأنه عندهم المعظم، وتنظر من داهن أو وافقهم على مرادهم رجاء لقربه منهم، ودنو مودتهم له، يكون عندهم مدحورا، مذموما، مردودا، على أن يصير علم الثاني سخرية وضحكة، ويبقى في أيدي الناس لعبة، ويطرح عندهم إلى الغاية، ويناله من الإهانة النهاية‏.‏

وكم في كل زمان من أهل هذا الشأن فالأول فاز وكان من أهل السعادة في الدارين‏.‏ والثاني هلك وكان أرباب الشقاوة في الحالتين، وصدق عليه قوله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏‏(‏أنه من الثلاثة الذين تسعر بهم النار وأولهم دخولا فيها‏)‏‏)‏ نسأل الله سبحانه الهداية والصلاح وأسباب الألطاف التي تكون موجبة للفلاح والنجاح‏.‏

ومنها‏:‏ الصبر على التعليم والتهذيب لمن وصل إليهم، واشتغال أوقاتهم بالتدريب لهم، وبذل مجهودهم في إخلاص نصحهم في إفادتهم‏.‏

ومنها‏:‏ إفادة الناس فيما يحتاجون إليه من الفتيا ودفع الخصومات، ‏(‏1/ 146‏)‏

وإظهار الحق، ودفع الباطل، والقيام على الظالم والنصر للمظلوم، وإيصال الخصم بما يستحقه من خصمه‏.‏

ومنها‏:‏ أنهم أمان أهل الأرض عند إتيان الساعة وقرب حلولها؛ فإن ارتفاع العلم من علاماتها، وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم، أن ليس المراد ارتفاع نفس العلم، وإنما هو قبض حامليه حتى تضرب أكباد الإبل في مسألة ولا يجدون من يفتي فيها‏.‏

ثم لما كان للعالم والعلم هذه الفضائل، وهذه الأحوال كان من قام به كما ينبغي من أهل السعادة، ومن ترك ما يليق وتبع ما يجانب العلم ويخالف المراد منه، كان من أهل البلاء والشقاوة، ولذلك أسباب‏:‏

الأول‏:‏ أنه لا يقصد بالتعلم والتعب إلا الله سبحانه وما يوافق مراده‏.‏

الثاني‏:‏ أنه لا يكون قصده بعد أن حصل له العلم إلا أن يعمل ويخدم ويقرر ما صح عنه صلى الله عليه وسلم، ويرد ما خالف سنته كائنا ما كان‏.‏

الثالث‏:‏ أن لا يعمل ولا يترك إلا وقد قام له دليل على العمل، أو الترك من الكتاب والسنة، أو استنباط جلي منهما‏.‏ ولا يجعل لرأيه دخلا في إثبات الشريعة، ولا يكلف الناس بمجرد ما خطر بباله إذا لم تكن له عليه حجة تكون له بها النجاة إذا سئل بما أثبت ذلك الحكم، وما كلف به العباد‏.‏

الرابع‏:‏ ترك التعصبات كلها‏.‏ وهي أقسام؛ وقد حقق ذلك شيخنا الإمام في ‏(‏أدب الطلب‏)‏ فمن أراد الاطلاع عليها فعليه به‏.‏ ‏(‏1/ 147‏)‏ وليس للعالم مسرح في التشريع، ولا كل ما قاله صواب، بل هو مجوز عليه الخطأ والصواب، فكيف يقع منه التعصب لقول عالم أو لقول صدر منه‏.‏

الخامس‏:‏ أن لا يرى لنفسه حقا، وأن لا يعتريه عجب وكبر، لأنه محل الضعف والزلل والخطأ وكم مثله من العلماء، وكم وأي رتبة قد بلغ إليها‏.‏ فإنه إذا نظر في أبناء كل زمان وأبناء زمانه، نظر وإذا فيهم من لا يبلغ قدره ولا ينال من الحظ والمعرفة ماله‏.‏ بل إذا نظر إلى من هو أحقر منه يجد عنده من الفوائد ما لم يكن عنده، ولم يبلغ رتبة الكمال من الخلق فرد، ولو بلغ إلى النهاية القصوى ففوقه من هو أعلى منه رتبة وأرفع منه كعبا‏.‏ على أنه إذا تفكر في أمر علم أنه لا يحسن منه ذلك، وهو أنه اشترك هو وجميع النوع الإنساني في الماهية وفي سائر الصفات، ومنحه الله سبحانه، وفتح عليه بالمعرفة، مع أنه هو والعامي والجاهل سواء‏.‏ فهل يكون ذلك داعيا لأن ينظر لنفسه حقا، وأن يفتخر ويعتريه العجب، وهل تقابل تلك المنحة بهذا‏.‏

السادس‏:‏ أن يصون العلم عما يدنسه، فالعلم جوهر شفاف نوري يكدره أدنى مكدر، ويذهب برونقه أيسر شيء، وما ذاك إلا لشرفه؛ ولذا قيل‏:‏ ‏(‏‏(‏إن عيب ذي الشرف مذكور، وعيب الجاهل مغمور‏)‏‏)‏ فيصير عند كل راء وسامع أضحوكة وسخرية، فكيف بمن علم تحريم المحرمات، كالخمر والزنا والربا وأكل أموال الناس بالباطل والارتشاء، ثم أقدم على أحدها‏؟‏‏!‏ فهل تكون لعلمه فائدة‏؟‏ وهل تصير له ثمرة‏؟‏ وهل كان إلا نكالا ووبالا وسببا لهلاكه، وداعيا لأهل البطالة إلى عدم الإقلاع عن تلك ‏(‏1/ 148‏)‏ الأفعال، ومجريا لهم إلى ملازمة الفساد، لأنهم قد نظروه بعين العلم فيكون عليه وزره وأوزارهم‏؟‏ فكيف إذا انضم إلى فعله التحليل لهم والتحريم، من المسامحة والموافقة في مخالفة الشرع‏؟‏ فهو أشد من كل بلية، وأعظم من كل فتنة، لأنه أضله الله على علم، ثم لم يكتف بذلك حتى أضل غيره فيكون من أهل الشقاوة‏.‏

السابع‏:‏ أن لا يفتي إلا عن ثبت، إذ لو أفتى من دون ثبت كان إثم الذي أفتاه عليه، وإثمه على الإقدام على الفتيا من دون معرفة، وكان كالحاكم الذي حكم بالحق وهو لا يعلمه، وهو من أهل النار كما حكم بذلك الرسول صلى الله عليه وسلم‏.‏

الثامن‏:‏ أن لا يفتي من ذات نفسه برأيه، فهو محرم عليه لأنه مجتهد، والمجتهد هو من استفرغ الوسع لتحصيل ظن بحكم ظني، فإذا أفتى من دون استنباط ولا معرفة لما يكون هذا الفرد لاحقا به، فهو من التقول على الله بما لم يقل‏.‏

التاسع‏:‏ أن يجل جميع العلماء ولا يستحقر أحدا منهم، ويعظمهم فإن وافق أقوالهم الصواب، كان لهم رتبة العلم ورتبة الموافقة، وإن خالف، فإن كان عن جهل وعدم استفراغ الوسع فقد أخطأ وعليه وزر الخطأ، وإن كان عن التباس، فهو مخطئ معذور وله أجر، فينبهه على خطئه‏.‏

العاشر‏:‏ أن يبذل نفسه ووسعه ويفرغ أوقاته لمن أراد التعلم عليه، وينصح الطالب ويلقي عليه ما يجب عليه من الفوائد والنكت إن كان أهلا لذلك، ويعرفه ما هو الحق والصواب، وما يجب عليه اتباعه واجتنابه، فما فائدة العلم والتعليم سوى ذلك، ولم يجب علينا طلب العلم إلا للإفادة ‏(‏1/ 149‏)‏ به لمن طلبه‏.‏ والعالم يكون كالشاهد لكونه قد عرف، والطالب يكون كالغائب، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏‏(‏ليبلغ الشاهد الغائب‏)‏‏)‏ ثم إن له على التعليم الأجر العظيم، والمقام الكريم‏.‏

الحادي عشر‏:‏ أنه لا يكتم الحق وأن يصدع به، ولا يخاف لومة لائم، ويجعل ذلك لله سبحانه وهو الناصر له والحافظ، وهو الواجب على كل عالم‏.‏

الثاني عشر‏:‏ أن يكون على حال الرسول وحال الصحابة، من حسن الخلق وكرم السجية، والرفق شعاره والتقوى دثاره لا يفارقه، لأنه لا يكون عالما إلا بذلك، والعلم شرف لا يقوم إلا بمن شرف‏.‏

فهذه حالة العالم التي يجب عليه القيام والتحلي بها‏.‏ وهذه الأمور هي أسباب السعادة وعكسها سبب الشقاوة‏.‏

والذي يجب على الطالب أمور‏:‏

الأول صلاح النية في طلبه، فلا يكون قاصدا بذلك حرفة من حرف الدنيا، كأن يكون مدرسا، أو مفتيا، أو حاكما، أو يماري به العلماء، أو لأجل أن يكون له شرف، أو غير ذلك من الأسباب التي تخالف أن يكون الفعل لله سبحانه‏.‏

الثاني‏:‏ أن يتوجه مع العزم على أنه يريد العلم الذي يوصل إلى الجنة، ويكون سبب السعادة ورضاء الرب سبحانه‏.‏

الثالث‏:‏ يلتجئ بباب الرب بأن يفتح عليه بالعلم النافع، وأن يقدره على ذلك، وأن يمن عليه بالغاية في الطلب والإلطاف، وأن يصرف عنه شياطين الإنس والجان‏.‏ ‏(‏1/ 150‏)‏

الرابع‏:‏ أن يكون مطلوبه علما يصدق عليه بعد معرفته أن من ورثة الأنبياء‏.‏

الخامس‏:‏ أن يفحص ويكمل في إحراز المعاني، ونيل تلك المعاني، ويجعل ذلك أعظم شغله، وأجل قصده، ويترك ما سواه لأجله‏.‏

السادس‏:‏ أنه إن احتاج إلى الكشف عن حقيقة مسألة، فلا يقنع إلا بما قام عليه الدليل، إن كان قد صارت له قدرة على ذلك، وإلا فعليه بسؤال العلماء الكبار عما صح عن الرسول صلى الله عليه وسلم‏.‏

السابع‏:‏ أن لا يقنع باليسير من العلم، ولا يرضى بالقليل حتى يبلغ إلى ما في وسعه ودخل تحت قدرته‏.‏

الثامن‏:‏ أن يجل العلماء، ويتواضع لهم، ويعظمهم، وينظر لهم الحق الوافر على الإطلاق، فإذا صار أهلا للنقد، عرف لكل فرد منهم المرتبة التي تليق به‏.‏

التاسع‏:‏ أن يعظم شيوخه ويجلهم، ويكون لهم بمثابة الرقيق، فقد قيل‏:‏ ‏(‏‏(‏إن للشيخ حقا مثل ما للأب‏)‏‏)‏ بل أزيد لأن الشيخ سبب الحياة الدنيوية والأخروية، والأب إنما هو سبب الحياة الدنيوية فقط؛ والعلم حياة، والجهل موت، وقد قيل في تفسير الآية‏:‏ ‏{‏يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي‏}‏ إن المراد يخرج العالم من الجاهل والجاهل من العالم‏.‏

العاشر‏:‏ أن لا ينظر وقد شارف على أول فائدة وقرب إلى معرفة أدنى مرتبة، فيظن في نفسه الظنون، ويخطر بباله أن قد فاز بالقدح المعلى، وبلغ الغاية القصوى، فالعلم محتاج إلى تقرير وثبت، وإلا فهو قد اقنع نفسه بالجهل وهو لا يشعر وتعلق به قلة العقل، بل وإن داوم على جمع العلوم، ‏(‏1/ 151‏)‏ وتلك العقيدة باقية فيه لا تظهر لعلمه فائدة، ولا يعود عليه ذلك الطلب بعائدة، بل يبقى ممحوق البركة ذاهب الرونق، وكم قد شاهدنا ممن قبلنا وفي زماننا، وكم قد حكت ذلك التواريخ في العالم‏.‏

الحادي عشر‏:‏ أن لا يكون سؤاله ولا تكلمه، إلا لأربعة أنواع‏:‏

إما لعدم فهمه لذلك‏.‏

أو أنه قد ظهر له اختلال في كلام المصنف، ولكن لاعن مجازفة وتخيلات

أو عدم معرفة لأصل البحث‏.‏

أو أنه قد ظهر له أن قد سبق إلى ذهن الشيخ غير ما دل عليه كلام المصنف‏.‏

فهذه أحوال الطالب‏.‏ ولكل من العالم والطالب أحوال أخر، لكن هذه أجلها وأشدها حاجة وأعظمها ماسة، فإذا قام العالم بتلك الأحوال وقام الطالب بأحواله كان سبب السعادة والفوز‏.‏

وعلى فضل العلم والعلماء أدلة كثيرة واسعة، تركتها اختصارا‏.‏

واعلم أن العلماء تتفاوت مراتبهم وأحوالهم، وإن كان قد صدق عليهم مسمى العلم، وأحرزوا تلك الأمور والتفاوت، إنما هو بقوة الاستنباط، وصحة قريحة الاجتهاد، فالاجتهاد ملكة تحصل للعالم عند جمعه لتلك العلوم، وقد لا تحصل، فحصولها متوقف على جمع تلك العلوم، ولا يلزم من جمعها حصولها، لأنها كالآلة، مثل آلة النجار فإنه قد يعرف كيفية النجارة ويتصورها، ويجمع آلاتها، ولا يمكنه أن يحكم الصناعة كلية ‏(‏1/ 152‏)‏ الإحكام‏.‏

فالعالم قد يجمع جميع العلوم، وتحصل له تلك الكيفية التي هي الملكة، ولا يمكنه العمل بتلك الملكة، أو يمكنه العمل في بعض ولا يمكنه العمل الكامل‏.‏ ولذا كان جماعة من الصحابة رضي الله عنهم يعرفون جميع ما قام بلسان العرب، وعرفوا السنة والكتاب، ولم يمكنهم ذلك، مثل أبي هريرة وأمثاله، وترى ابن عباس من صغار الصحابة، وصار بحر الأمة، وكانت له اليد الطولى والسهم المعلى، وفي كل عصر هكذا فهي عطايا وحظوظ، وقد عثر المتأخر على أدلة قد عجز عنها الأوائل وصنع في التصانيف مالا يقدر عليه الأماثل، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء‏.‏

وأما أسباب المهالك فهي أيضا كثيرة‏:‏

منها أن يريد أن يكون له بذلك العلم رفعة وشأنا، وينظره الناس بذلك ويقال في حقه عالم أو نحرير أو مبرز لا يماري‏.‏

ومنها أن يكون ناصر البدعة، سواء علم واستدام على ذلك عجرفة، أو عرف ما هو الحق ولم يصغ إليه، أو نصر قولا له قد سبق على خلاف الحق فانكشف له الحق، أو لم يسمع من المعرف له بالحق، أو قام برياسة فأراد أن يجبر الناس على قوله وإن كان صوابا، لكن المخالف له معه دليل لا يؤدي مخالفته لما قاله إلا التنكيل به والعقاب له‏.‏

ومنها أن يكون قد فتح عليه وكان قبل ذلك مقلدا لأحد الأعلام، فلا يزال يتعصب له بعد معرفته بأن الحق خلافه عمدا وعنادا‏.‏

ومنها أن يكون ممن له شغل بالعلم، ولكن لم تكن له اليد الطولى، وصار يفرع ويلحق مسائل متخيلة ويكمل الشريعة، ويوجب ويحلل ويحرم‏.‏

فهذه الأمور ما مع سبق في غضون الكلام في تفصيل هذا المقام، إذا تتبعها الذي يريد النجاح وعمل بها فاز بالفلاح، وإلا أهلك نفسه وصار من حزب النار، نعوذ بالله من ذلك‏.‏

ولهذه الأمور بسطة بسطها الشيخ الفاضل العلامة، علي بن محمد بن علي الشوكاني - رحمه الله - في كتابه ‏(‏الدرر الفاخرة الشاملة لسعادة الدنيا والآخرة‏)‏ فمن أراد الاطلاع عليه فليراجعه‏.‏